Advertisements

المرأة العربية والتطور السياسي

الكاتب: د.خليل أحمد خليل

لقد تميزت مرحلة الخمسينات حتى الان بتوجه نسائي نادر نحو العمل السياسي التغييري خلال الاحزاب والنقابات، وظلت قائمة صيغة الاتحادات النسائية الاكثر تطورا من صيغة الجمعيات الخيرية – وبدأت تكتسب يوما بعد يوم مضامين اجتماعية واقتصادية سياسية تحررية وظهرت بالاضافة الى ذلك ظاهرة لجنة حقوق المرأة، وظاهرة الاتحادات الشبابية للشبان والشابات معا ولكن اسهام النساء في الاتحادات الشبابية ظل اقل بكثير من اشتراك الرجال اما الاحزاب السياسية – اليسارية منها واليمينية – فلا تزال بعيدة عن ادخالها في مجرى النضال السياسي .

 واذا كان للاحزاب اليمينية مصلحة واضحة في ابقاء المرأة خارج عمليات التغيير، فان الاحزاب اليسارية العربية من واجبها الاساسي ايلاء الجبهة النسائية اهتماما أوليا .

 ان دور المرأة العربية أساسي، كدور رفيقها الرجل، في مسار التغيير العربي – التحرري والتوحيدي والاشتراكي – وواجب الحركات الوطنية العربية ان تدمر العقبات البنيوية الاقتصادية والحقوقية والاجتماعية والثقافية التي لا تزال تعترض سبيلها التي بات من واجبها المساهمة الفعالة في عملية التغيير الكبرى التي يقترب منها ويطل عليها الوطن العربي بأسره.

 ولكن ، بحكم وضعها العبودي الخاص داخل المجتمع العربي، يفرض عليها دور الكابح، ولا يسمح لها الا نادرا بالاضطلاع بدور الدافع الثوري.

  ان اشراك المرأة في عملية التغيير، ليس مطلبا تمليه المناداة بالمساواة بين الجنسين، وانما هو شرط موضوعي وذاتي لكي تتم عملية التغيير التاريخي عند العرب. 

فلا تغيير ثوري كامل دون المرأة العربية . حتى الآن، كان اكبر دور سياسي أتيح للمرأة العربية ان تلعبه هو الاضطلاع بتمثيل محدود جدا في مجلس بلدي او شعبي او برلماني، ولم يفسح لها المجال للاشتراك في تحمل مسؤوليات الحكم والادارة والتنظيم السياسي والانتخابات بطبيعتها لعبة ضمن لعبة طبقية معروفة، والمرأة التي حكموا عليها بدور اللعبة، لم تنجح اطلاقا في هذا المضمار – باستثناء ما شهدناه من تمثيل نسائي نسبي في مصر وبعض الاقطار العربية الاخرى .

 

 ان العدو الاسرائيلي يفسح المجال الكامل امام نسائه – ومنهن رئيسة وزرائه السابقة ـ اما نحن فلا نزال نعتبرها دون الرجل في كل شيء، ولهذا بدأنا نسمع اصواتا ترتفع – ولو مكبوتة ـ تقول بأن الرجل العربي عدو المرأة في كل شيء . ونحن نعتبر ان هذا العداء وهمي، فكلاهما معا يعانيان من اضطهاد داخلي وخارجي واحد : الرجعية العـربيـة والاستعمار والصهيونية. وللنساء العربيات نضالهن المجيد قديما وحاضرا. 

فالمرأة العربية،ناضلت من اجل الاستقلال الوطني، وطالبت بحقوقها السياسية الاساسية – ومثال ذلك نضالها في لبنان من اجل تشجيع البضائع الوطنية ذات الانتاج المحلي من نسيج وسواه، وقيامها بعقد المؤتمرات النسائية ورفع العرائض للمسؤولين وتنظيم الندوات الخطابية، والحاحها في ٥ شباط سنة ١٩٥١ على تعديل المادة ۲۱ من قانون الانتخاب التي كانت تحرم المرأة من حق الترشيح والانتخاب. 

وفي ١٤ آذار ۱۹۵۱۳ ، اعترفت الحكومة اللبنانية بحقوق المرأة سياسيا على نحو متدرج، اذ انه اعترف بادىء الامر بحقوقها في الانتخابات البلدية فقط، فما كان من اللجنة التنفيذية للهيئات النسائية الا ان رفضت هذا القرار ودعت الى مواصلة النضال السياسي. وفي ٢٠ ، آذار ۱۹۵۱ ، تجمهر النساء امام المجلس النيابي واقتحمن حرمه، وسارت مظاهرة نسائية في البقاع، وقامت تظاهرة نسائية من سينما روكسي بعد مهرجان تحريضي اقيم فيها . وفي ١٨ شباط ١٩٥٣، أعلنت الحقوق السياسية للنساء في لبنان.

وهنا لا بد من الاستشهاد بما كتبه الدكتور جورج حنا بهذا الصدد: “صحيح ان المرأة البنانية حصلت على حق الانتخاب، وحصلت على حق الجلوس في المجالس البلدية والنيابية اذا ما حازت من أصوات الناخبين العدد الكافي . وقد رأينا في مجلس بلدية بيروت ثلاث نساء من رائدات الحركة النسائية اللبنانية – لا اذا كن معينات او منتخبات – لكن این يهم دور المرأة السياسي في لبنان؟ لا تحسبي يا سيدتي ان اطلاق كلمة الجنس اللطيف » او « الجنس الضعيف) عليها، كاف لاعفائها مما لا يعفى منه الرجل. هذه التسمية البليدة خلقها من يريدون ان يحصروا المرأة في نطاق ضيق وينكرون عليها المقدرة على الاعمال الخلاقة … ان المرحلة التاريخية التي تمر فيها الوطن العربي مرحلة كفاحية. وكل ما يعمل فيها يجب ان يكون من نوعها . فالسلبية ،تؤخرها، ونصف الايجابية تجمدها، والايجابية اللاكفاحية تبطيء سيرها وتعطي الاعداء فــرصـة للانقضاض عليها والفوز بها . ترى هل تريد الفتاة العربية ان تبقى على هامش هذه المعركة ولا تسهم فيها الا بالادعية والصلوات، أو بإبداء رأي في مجلس او في صالون ما ؟ ترى هل تكتفي بأن لا يكون لها فيها الا دور سلبي او دور نصف ايجابي او دور ايجابي ولكن غير كفاحي؟”

 

إن الواقع العربي واقع انقلابي ثوري والثورة روح يعقبها عمل، عندما لا يعود من مفر للعمل. وما من حركة انقلابية بيضاء او حركة ثورية حمراء أصابت النجاح المنشود الا وكانت حركة جماعية، تمشي فيها الفتاة الى جانب الشباب، ..

 

في الواقع

 اثبتت التجارب العربية الثورية الناجحة مدى اهمية مشاركة المرأة العربية في عمليات التغيير. واليوم تضع الثورة الفلسطينية المرأة الفلسطينية والعربية امام تحديات ثورية كبرى(1) ولا تحرر بدونها، حرب الشعب لا يمكن ان تتم بمعزل عن نصف الشعب».

 هذا يعني وحدة قضية المرأة والرجل، ووجودهما المشترك داخل دائرة الاستغلال والاستلاب والقهر. ان قضية المرأة هي قضية نظام اجتماعي في الاساس . والثورة الفلسطينية اخذت تهز المجتمع الفلسطيني والعربي من جذوره، وتقلب المفاهيم التي كانت سائدة لسنوات قليلة. والعمل الثوري يستلزم ادخال المرأة في المعركة واعطاءها دورا انتاجيا. والمرأة الفلسطينية مستعبدة على ثلاثة مستويات القهر القومي الناتج عن الاحتلال، القهر الاقتصادي والاجتماعي، القهر الثقافي والحقوقي والسياسي . ولكن مشاركة المرأة الفلسطينية في الثورة لم تتجاوز الـ ٢٠ بالمئة في لبنان .

  • ولا بد في هذا المجال من التنويه بدور النساء اللواتي قاتلن في غزة وعمان والضفة الغربية وخطفن الطائرات، والقين قنابل وعذبن وشاركن في كل المهام الثورية … الا انه لا بد من التوضيح بأن المرأة الفلسطينية طاقة لم تدخل صفوف الثورة بشكل قوي بعد ، وهذا من عوامل ضعف الثورة من داخلها. ومما يستحق ان يشار اليه هو ان نسبة مشاركة العازبات في الثورة تفوق بأكثر من ضعفي نسبتهن بين المتزوجات ، ونسبة النساء العاملات تبلغ اربعة اضعاف نسبتهن بين النساء اللواتي لا يعملن، كما ترتفع نسبة المشاركات في الثورة من الطالبات …المرأة العربية والتطور السياسي

ان علم المرأة العربية وعملها سيدفعانها اكثر فأكثر نحو الكفاح السياسي، وسيكون عليها ان تختار بين التجميد والتغيير ، المحافظة والتجدد التخلف والتقدم.

 

 وسياسيا ستجد نفسها امام احد اختيارين: اما الرأسمالية بكل تشعباتها الطبقية وامتداداتها العبودية المنعكسة على وضع المرأة العربية في ظروف التخلف والاستعمار واما الاشتراكية المرتكزة على انتصار حركة التحرر الوطني العربي وعلى الغاء جميع التمييزات الطبقية داخل المجتمع العربي . فماذا ستختار المرأة العربية: دائرة الاستلاب والعبودية ام حركة التغيير ؟

(1) جريدة فتح عدد ٢٤ أبار ۱۹۷۲ ، ص ۱۰ – ۱۱